فوزي آل سيف

88

أعلام من الأسرة النبوية

آخر، فما دام فِعله ذاك في إطار الحلال فهو غير معاتَب، لكن.. مطلوب من الإنسان ــ أيضا ــ أن يحمي شخصيته الاجتماعية. البعض من الناس يتعامل مع الأشياء بمنطق الحلال والحرام فحسب، دون النظر إلى الأثر الاجتماعي، فما كان حلالًا يصنعه، وما كان حرامًا يجتنبه، والباقي ــ أي النظرة الاجتماعية ــ لا يهمه، فقد يدخل إلى المسجد ــ مثلًا ــ بملابس النوم ويقول: ذلك جائز شرعاً!! ما دام ساترا. هو ــ فعلًا ــ لم يفعل حرامًا، لكن.. ستلوكه الألسن، وسيظلّ محور حديث الناس الناقد!! فمن الطبيعي أن يخشى النبي صلى الله عليه وآله كلام الناس؛ لحماية شخصيته الاجتماعية، وهذا فعل العقلاء عادة، لكنّ الله تعالى يقول له لا تهتم بكلام الناس، لا تحمّل نفسك شيئًا زائدًا ما دام الأمر طبيعيًا وحلالًا وضمن إطار الشرع، لا تعتن بأقاويلهم {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ}. وهذا التوجيه الربّاني ليس فقط لذاك الزمان التاريخي الذي عاشه النبي، بل يسري في الزمان، ويشمل زماننا الحاضر؛ لأنّ قسمًا من حياتنا تصنعها كلمة باطلة، وهي: ماذا يقول عنّا الناس!! هذه كلمة غير صحيحة؛ فاذا كنتَ تشتغل في الإطار الصحيح فالمهم أن تخشى الله، وتحافظ ــ أيضا ــ على وجودك الاجتماعي، لكن لا تغدو أسيرًا لكلام الناس، فمثلًا: لو كان عندك بنتان، وجاء خاطب للصغيرة، والكبيرة لم يأتِ أحد لها إلى الآن فلا تقل: لن أزوج الصغيرة، ماذا يقول عنّا الناس؟!، ولو أراد ابنك أن يتزوّج، وليس عنده قدرة مادية للذبح والوليمة، وتريد أن تعمل ضيافة بسيطة، فلا تتردد وتقول: لكن ماذا يقول عنّا الناس؟! كان رسول الله صلى الله عليه وآله قد تزوّج من أم سلمة، فأطعم الحيس (مثل الشوربة الآن)؛ لأنّه وقتها لم يكن مقتدرًا ماليًا، ولما تزوّج من زينب بنت جحش كان عنده قدرة على الإنفاق، فأطعم الناس الثريد واللحم. ونحن ينبغي أن نقدر أنفسنا بما تستطيع، وليس بما يقول عنّا الناس، فلا ينبغي أن يكون المعيار والمقياس عندنا ماذا يقول عنّا الناس، الله تعالى يقول لنبيه: {وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ}، هؤلاء الناس الذين سيتكلمون عليك هم المعتدون. لو جاء أحدهم وقال ــ مثلًا ــ: (انظر إلى فلان؛ فقد زوّج أبناءه، ولم يصنع وليمة وعشاء وكذا وكذا)، أو (انظر إلى فلان؛ فقد زوّج الصغير قبل الكبير، وزوج ابنته كزوجة ثانية، فكيف يقبل ذلك؟!)، فعمله هذا محرّم وغيبة، وأنت لستَ ملزمًا بتطبيق كلامه، وليس شرطاً عليك أن تطيعه، هو من سيبوء بإثم ذلك القول!! فالنبي صلى الله عليه وآله أخفى هذا الأمر، وبعد ذلك ألحّ زيد على الطلاق، فالنبي صلى الله عليه وآله قبِل منه طلاقها، والله تعالى يقول: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا}([231])، فقد تصل الأمور ــ أحيانًا ــ إلى نقطة لا يستطيع فيها الزوجان مواصلة الحياة الزوجية معًا. وعندما وصل زيد إلى هذه النقطة وطلّق زينب، وقضت عدتها ثلاثة أشهر، وأراد النبي صلى الله عليه وآله أن يتزوّجها أرسل زيدًا نفسه لزينب بنت جحش؛ لكي يخطبها لرسول الله، فجاء زيد إليها، يقول: لما دخلتُ على زينب، وتصورتُ أنّ النبي صلى الله عليه وآله سيكون زوجًا إليها أعظمتها الآن، وشعرتُ أنّها ليست زينب التي كانت زوجتي، وكنتُ أختلف معها، فأعظمتها وأعطيتها قفاي، وقلتُ لها: أبشري؛ فإنّ رسول الله يخطبك إلى نفسه. وهذا تعليم عظيم من النبي صلى الله عليه وآله لنا بأنّ الذين تحدث بينهم مسألة الطلاق لا يعني ذلك الانتقام بينهم، فلا يقول الرجل: (بما أنّي طلقتها فدعني أنشر ملفاتها!!)، أو يمنعها من رؤية أبنائها الذين أضحوا عنده، ويقول

--> 231 ) سورة النساء، الآية 130.